يشهد سوق العمل تحولاً ملحوظاً، حيث يميل الجيل زد (Gen Z) إلى تغيير وظائفهم بوتيرة سريعة، مما أثار نقاشات حول مستقبل الولاء الوظيفي. تشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى أن غالبية أفراد هذا الجيل يعتبرون وظائفهم مجرد “علاقات عابرة” وليست مسارات وظيفية طويلة الأمد، مما يؤثر على ديناميكيات التوظيف والاحتفاظ بالموظفين.
أظهر استطلاع حديث أجرته شركة Gateway Commercial Finance في يونيو 2025 شمل 1008 أمريكي، بالتساوي بين الجيل زد ومديري التوظيف، أن حوالي 60٪ من العاملين من الجيل زد يرون وظائفهم الحالية كـ “علاقة مؤقتة” لا ينوون الاستمرار فيها. كما أن 47٪ منهم يخططون للبحث عن وظيفة جديدة خلال العام المقبل، بينما يعتزم 24٪ منهم الاستقالة دون سابق إنذار.
الجيل زد وتغيير الوظائف: نظرة على الاستقالة المتزايدة
تُظهر البيانات أن متوسط مدة بقاء الجيل زد في الوظيفة الواحدة يبلغ 1.8 عامًا فقط. هذا المعدل المرتفع لتغيير الوظائف يثير قلق مديري التوظيف، حيث يرى البعض أن هذا السلوك يشير إلى عدم الاستقرار وعدم الالتزام. ومع ذلك، يرى خبراء في مجال الصحة النفسية في مكان العمل أن هذا التوجه يعكس تحولاً في أولويات الجيل زد.
أسباب ميل الجيل زد لتغيير الوظائف
وفقًا لكريستينا مولر، وهي خبيرة في الصحة النفسية في مكان العمل، فإن الجيل زد يولي أهمية قصوى للرفاهية النفسية، والتوافق مع القيم الشخصية، والاستقلالية في العمل. على عكس الأجيال السابقة، فهم غير مستعدين للبقاء في وظائف تضر بهذه القيم، حتى لو كان ذلك يعني عدم الاستقرار الوظيفي. بالإضافة إلى ذلك، يميل هذا الجيل إلى البحث عن فرص عمل مرنة تسمح لهم بمتابعة اهتماماتهم الشخصية وتحقيق التوازن بين العمل والحياة.
تشير استطلاعات رأي أخرى إلى أن بعض أفراد الجيل زد يلجأون إلى مصادر دخل إضافية مثل العمل الحر، والمشاريع الإبداعية الجانبية، وحتى بعض الأنشطة غير التقليدية مثل المقامرة عبر الإنترنت، وتقديم المحتوى على منصات مثل OnlyFans، أو بيع الصور الشخصية. هذا يعكس رغبتهم في تحقيق الاستقلال المالي والمرونة في الدخل.
تأثيرات الاستقالة السريعة على سوق العمل
يعتبر الباحثون أن هذا التوجه يمثل تحولاً في نظرة الجيل زد إلى حياتهم المهنية، حيث يرونها كمعاملة تسعى إلى تحقيق المرونة والمكاسب قصيرة الأجل بدلاً من الأمن الوظيفي والمزايا طويلة الأجل. فقط ربع العاملين من الجيل زد يشعرون بالاستثمار في وظائفهم الحالية على المدى الطويل، وأقل من نصفهم يعتقدون أن الولاء للشركة الواحدة يكافأ في سوق العمل الحالي.
يقول كيفن لايت، أستاذ علم الاجتماع في جامعة إلينوي، إن هذا الانفصال الوظيفي للجيل زد هو نتيجة تراكم عقود من التغيرات في سوق العمل. فقد تم التأكيد لسنوات على أن المسار الوظيفي المستقر أصبح شيئًا من الماضي، وأن عصر العمل لمدة 30 عامًا أو أكثر في نفس الشركة قد انتهى. بالإضافة إلى ذلك، يفتقر العديد من أفراد الجيل زد إلى الخبرة العملية المبكرة، ولديهم مستوى من عدم الثقة في المؤسسات، وهم أكثر تجنبًا للمخاطرة، وهي عوامل تساهم في سرعة الخروج من الوظائف وعدم الصبر.
ومع ذلك، فإن هذه الدورة القصيرة لها عواقب حقيقية. فقد أظهر الاستطلاع أن العاملين الذين ينتقلون بين الوظائف بشكل متكرر هم أكثر عرضة بنسبة 65٪ للشعور بالإرهاق، ويعانون من سوء التوازن بين العمل والحياة، وانخفاض الرضا الوظيفي. وفي المقابل، أصبح ربع مديري التوظيف ينظرون إلى مدة البقاء القصيرة في الوظائف على السيرة الذاتية للجيل زد على أنها علامة تحذير، وقد رفض أكثر من ثلثهم (36٪) المرشحين بسبب مخاوف بشأن تغيير الوظائف المتكرر.
تعتبر “الانسحاب المفاجئ” – الذي كان مقتصرًا في السابق على تطبيقات المواعدة – قد دخل مكان العمل. لكنها ليست مجرد عدم جدية. ما نشهده هو وضع حدود والتخلي عن نظام لا يشعرون بأنه يعطي الأولوية لرفاهيتهم دائمًا، كما تقول مولر.
من المتوقع أن يستمر هذا الاتجاه في المستقبل القريب، مما يتطلب من الشركات إعادة تقييم استراتيجياتها في مجال التوظيف والاحتفاظ بالموظفين. يجب على الشركات التركيز على توفير بيئة عمل داعمة ومرنة، وتقديم فرص للتطوير المهني، والاستماع إلى احتياجات وتوقعات الجيل زد. سيتم مراقبة تأثير هذه التغييرات على سوق العمل عن كثب في الأشهر والسنوات القادمة، مع التركيز على كيفية استجابة الشركات لهذه التحولات في سلوك القوى العاملة.






