أثار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جدلاً واسعاً بتصريحه المعارض لخطة المملكة المتحدة لنقل السيادة على جزر تشاجوس إلى موريشيوس، محذراً من أن ذلك قد يعرض للخطر وصول الولايات المتحدة إلى القاعدة العسكرية في دييغو غارسيا. يأتي هذا التحول المفاجئ في الموقف في وقت تزايدت فيه المخاوف بشأن النفوذ الصيني في المحيط الهندي، وأهمية هذه القاعدة الاستراتيجية للولايات المتحدة.
جزر تشاجوس ودييغو غارسيا: صراع على السيادة وأبعاد استراتيجية
تعود جذور الخلاف إلى فترة الاستعمار البريطاني، حيث تم فصل جزر تشاجوس عن موريشيوس في الستينيات قبل استقلال موريشيوس. وقد قضت محكمة العدل الدولية في عام 2019 بأن فصل الجزر كان غير قانوني. وافقت المملكة المتحدة لاحقاً على نقل السيادة إلى موريشيوس مع الاحتفاظ باستئجار قاعدة دييغو غارسيا لمدة 99 عاماً على الأقل مقابل ما لا يقل عن 160 مليون دولار سنوياً.
تعتبر دييغو غارسيا نقطة ارتكاز حيوية للعمليات العسكرية الأمريكية، حيث تستضيف حوالي 2500 فرد، معظمهم أمريكيون. تستخدم القاعدة لقاذفات القنابل بعيدة المدى، والخدمات اللوجستية، وعرض القوة في جميع أنحاء الشرق الأوسط والمحيط الهندي وأفريقيا.
تصريح ترامب وتأثيره المحتمل
وصف ترامب، في منشور على منصته Truth Social، قرار المملكة المتحدة بأنه “عمل غبي للغاية”. وأضاف أن “الصين وروسيا قد لاحظتا هذا العمل من الضعف التام”. هذا التصريح يعكس قلقاً متزايداً في واشنطن بشأن فقدان النفوذ الاستراتيجي في المنطقة.
وفقًا لخبراء في الأمن القومي، فإن هذا الموقف يمثل “عقيدة ترامب الجديدة” التي تضع المصالح الأمريكية فوق التحالفات التقليدية. يرى المحللون أن هذا التحول مرتبط أيضاً بالضغط المستمر الذي يمارسه ترامب على الدنمارك بشأن جرينلاند، حيث يسعى إلى الحصول على هذه الجزيرة الاستراتيجية.
يشير جون هيمينغز، مدير مركز الأمن القومي في جمعية هنري جاكسون، إلى أن دييغو غارسيا تمثل تهديداً محتملاً لاستراتيجية بكين للسيطرة على الممرات البحرية الحيوية بين الشرق الأوسط الغني بالنفط والمركز الصناعي للصين. وأضاف أن القاعدة ضرورية في أي صراع محتمل بين الولايات المتحدة والصين حول تايوان.
مخاوف بشأن النفوذ الصيني
تخشى الولايات المتحدة من أن موريشيوس، بعد الحصول على السيادة الكاملة، قد تعرض الجزر للصين، مما يمنح بكين موطئ قدم استراتيجي في المحيط الهندي. بعد ذلك، قد تواجه الولايات المتحدة ضغوطاً كبيرة على الساحة الدولية إذا حاولت الحفاظ على وجودها العسكري في دييغو غارسيا.
بالإضافة إلى ذلك، قد يسمح هذا للصين بالوصول إلى المنطقة الاقتصادية الخالصة الغنية بالموارد السمكية، مما يزيد من تعقيد العمليات العسكرية الأمريكية في المنطقة.
تتضمن المخاوف أيضاً إمكانية قيام موريشيوس بإعادة التفاوض على شروط الإيجار أو حتى إلغاء المعاهدة في المستقبل، مما قد يؤدي إلى طرد القوات الأمريكية من القاعدة.
الوضع الحالي والتطورات المستقبلية
تعتبر قاعدة دييغو غارسيا حالياً آمنة، حيث تعهدت موريشيوس باحترام اتفاقية الإيجار لمدة 99 عاماً مع المملكة المتحدة، وبالتالي مع الولايات المتحدة. ومع ذلك، يرى الخبراء أن “الشيطان يكمن في التفاصيل”، وأن هناك حاجة إلى مراقبة دقيقة للتطورات المستقبلية.
في الوقت الحالي، لم يصدر البيت الأبيض أي تعليق رسمي على تصريحات ترامب. من المتوقع أن تجري مشاورات مكثفة بين واشنطن ولندن وموريشيوس في الأيام والأسابيع المقبلة لحل هذه القضية الحساسة.
من المرجح أن تركز هذه المشاورات على ضمان استمرار الوصول الأمريكي إلى دييغو غارسيا، وحماية المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة في المحيط الهندي. يبقى مستقبل جزر تشاجوس وقاعدة دييغو غارسيا غير مؤكد، ويتوقف على التطورات السياسية والدبلوماسية القادمة.






