تم التوقيع على اتفاقية الاتحاد الأوروبي-ميركوسور يوم السبت مع الأرجنتين والبرازيل وباراغواي والأوروغواي، وتهدف إلى تعزيز مكانة الاتحاد الأوروبي الجيوسياسية. ومع ذلك، فقد كشفت بالفعل عن خطوط صدع سياسية عميقة داخل الكتلة، حيث ظهرت فرنسا كأقوى معارض. يثير هذا الاتفاق، الذي طال انتظاره، جدلاً واسعاً حول مستقبل التجارة الحرة وتأثيرها على الاقتصادات المختلفة.
صرحت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاينن في حفل التوقيع في أسونسيون، باراغواي، أن الاتفاقية تمثل “اختيارًا للتجارة العادلة على التعريفات الجمركية، وشراكة طويلة الأجل منتجة على العزلة”. وأشارت إلى أن الاتفاقية، التي استغرقت 25 عامًا من المفاوضات، هي “إنجاز لجيل، لصالح الأجيال القادمة”.
جدل حول اتفاقية ميركوسور وتأثيرها على الزراعة الأوروبية
يثير الاتفاق جدلاً متزايدًا في فرنسا، حيث يرى المنتقدون أنه سيعرض المزارعين الأوروبيين لمنافسة غير عادلة من الواردات اللاتينية الأمريكية التي لا تلتزم بمعايير الإنتاج الخاصة بالاتحاد الأوروبي. ويركز الجدل بشكل خاص على منتجات مثل اللحوم والدواجن.
يدافع المؤيدون عن الاتفاقية باعتبارها ضرورية لمواجهة النفوذ المتزايد للصين في أمريكا اللاتينية. وتشير أرقام المفوضية الأوروبية إلى أن حصة الاتحاد الأوروبي من واردات ميركوسور كانت أكبر بحوالي ستة أضعاف من حصة الصين في عام 2000. لكن حصة الصين اليوم أعلى بنسبة 40٪ تقريبًا من حصة الاتحاد الأوروبي.
بالإضافة إلى ذلك، يعتبر الاتفاق ضروريًا لتنويع الروابط التجارية للاتحاد الأوروبي في ظل تشديد الولايات المتحدة على الوصول إلى السوق واستمرار بكين في استغلال اعتماد أوروبا على المواد والتكنولوجيا الصينية. وأكد خافيير مورينو سانشيز، عضو البرلمان الأوروبي الإسباني، على أهمية التفاوض مع الشركاء بدلاً من الخضوع لـ “قانون الأقوى” في ظل الظروف الجيوسياسية والاقتصادية الحالية.
ردود الفعل السياسية وتصعيد المعارضة
بعد 25 عامًا من المفاوضات التي قادتها المفوضية الأوروبية، تمت الموافقة على الاتفاقية من قبل أغلبية الدول الأعضاء وتم توقيعها رسميًا. ومن المقرر أن يتم عرضها على البرلمان الأوروبي يوم الاثنين لاتخاذ الخطوات النهائية نحو التصديق عليها.
وقد أظهرت الدول الأعضاء انقسامًا واضحًا، حيث عارضت فرنسا وبولندا والمجر وأيرلندا والنمسا الاتفاقية، بينما امتنعت بلجيكا عن التصويت. على الرغم من الموافقة الأخيرة، يتركز الاهتمام على قرار سيتم التصويت عليه الأسبوع المقبل يهدف إلى الطعن في الاتفاقية أمام أعلى محكمة في الاتحاد الأوروبي، وهو ما قد يحظى بدعم من المؤيدين المترددين.
في فرنسا، تحولت قضية ميركوسور إلى نقطة خلاف سياسي حادة قد تعمق التشكيك في أوروبا، خاصة وأن أكبر وفد من فرنسا في البرلمان الأوروبي ينتمي إلى حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف، والذي يتصدر استطلاعات الرأي في الانتخابات الرئاسية القادمة.
بعد فشل باريس في حشد أغلبية مانعة ضد الاتفاقية، أطلق جوردان بارديلا، زعيم التجمع الوطني، تصويت بحجب الثقة في البرلمان الأوروبي المقرر الأسبوع المقبل. كما قدم اقتراحًا بحجب الثقة في الجمعية الوطنية الفرنسية هذا الأسبوع، لكنه رُفض.
مخاوف اقتصادية وتعهدات بدعم المزارعين
يرى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن المكاسب الاقتصادية للاتفاقية محدودة، مستشهدًا بتقديرات المفوضية الأوروبية التي تشير إلى أنها سترفع الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي بنسبة 0.05٪ فقط بحلول عام 2040.
بالإضافة إلى ذلك، سيتم إلغاء التعريفات الجمركية على السيارات الأوروبية – وهي محرك رئيسي للدعم الألماني – على مدى 18 عامًا، وهو ما قد يكون متأخرًا جدًا في ظل احتمال حصول الشركات المصنعة للسيارات الصينية على حصة كبيرة في سوق ميركوسور بحلول ذلك الوقت.
في المقابل، يقول مؤيدو الاتفاقية أن قطاعات أخرى ستستفيد، بما في ذلك الخدمات ومنتجات الألبان والنبيذ والمشروبات الروحية، وأن الشركات الأوروبية ستحصل على وصول إلى أسواق المشتريات العامة.
ومع ذلك، يواجه المؤيدون صعوبة في إيصال صوتهم في البلدان المعارضة للاتفاقية بعد سنوات من الانتقادات اللاذعة. ويشير خبراء مثل إريك موريس من مركز السياسات الأوروبية في بروكسل إلى أن الاتفاقية كانت تُعرض في البداية في ضوء سلبي، قبل أن يتم الدفاع عن فوائدها لاحقًا.
التحدي الآن يكمن في تنفيذ الاتفاقية وتخفيف المخاوف بشأن تأثيرها على المزارعين الأوروبيين. وقد تعهدت المفوضية الأوروبية بتقديم 45 مليار يورو لدعم المزارعين الأوروبيين بدءًا من عام 2028، وهو ما ساعد في إقناع إيطاليا بدعم الاتفاقية. لكن فرنسا لا تزال غير مقتنعة.
من المتوقع أن يتم التصويت على قرار الطعن في الاتفاقية أمام المحكمة الأوروبية الأسبوع المقبل، مما قد يؤخر أو يعيق عملية التصديق. كما يجب مراقبة رد فعل البرلمان الأوروبي وتصويت الدول الأعضاء على الاتفاقية. يبقى مستقبل اتفاقية ميركوسور غير مؤكدًا، وسيتطلب الأمر جهودًا كبيرة لتهدئة المخاوف وتوحيد الصفوف داخل الاتحاد الأوروبي.






