تأجيل جديد يواجه الاستراتيجية الصناعية الأوروبية، حيث كشف مصدر مقرب من المفوضية الأوروبية أن خطة الكتلة لإعادة التصنيع الاقتصادي، والمعروفة باسم “قانون المسرّع الصناعي” (IAA)، ستشهد تأجيلاً إضافياً. يأتي هذا التأجيل، الذي يمسّ جوهر الاستراتيجية الصناعية الأوروبية، في ظل استمرار الخلافات العميقة بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، مما يعكس التحديات المعقدة التي تواجه توحيد الرؤى حول مستقبل الصناعة في القارة.
وكان من المقرر في الأصل تقديم مقترح القانون، الذي تقوده فرنسا، في شهر ديسمبر الماضي. إلا أن المقاومة المتزايدة من دول أخرى، وحتى من داخل المفوضية الأوروبية نفسها، دفعت الموعد النهائي لتقديمه عدة مرات، كان آخرها إلى 4 مارس. وفي أعقاب المناقشات التي جرت في الأيام القليلة الماضية، أفاد مكتب المفوض ستيفان سيجورنيه بأن تقديم القانون بات مقرراً في 4 مارس، معرباً عن أمله في أن تتيح هذه الفترة الإضافية من المباحثات الداخلية جعل المقترح “أكثر صلابة”.
الخلافات الداخلية والعقبات الخارجية تعيق الاستراتيجية الصناعية الأوروبية
لا تقتصر التحديات التي تواجه “قانون المسرّع الصناعي” على الخلافات داخل الاتحاد الأوروبي فحسب، بل تمتد لتشمل معارضة من خارج الكتلة. فقد أشار سفير الولايات المتحدة لدى الاتحاد الأوروبي، أندرو بوزر، إلى أن واشنطن ترفض أي محاولات لإدخال تفضيلات أوروبية في قواعد المشتريات العامة للاتحاد. وأوضح بوزر في تغريدة على منصة “إكس” أن بلاده تدعم بشكل كامل إعادة التسلح الأوروبي وتنشيط القاعدة الصناعية الدفاعية في أوروبا، ولكنه حذر من أن تفضيل المنتجات الأوروبية في توجيه المشتريات الدفاعية للاتحاد من شأنه أن يقوّض مرونة الدول الأعضاء في إجراء مشتريات وطنية.
في سياق متصل، أشارت وثيقة مسربة اطلعت عليها شبكة “يورونيوز” إلى أن المفوضية الأوروبية تروج لإنشاء مخططات وسم طوعية للمنتجات “صُنعت في الاتحاد الأوروبي” ذات البصمة الكربونية المنخفضة، بهدف تقييم مدى مشاركة الصناعات. وقد تم تسليط الضوء بشكل خاص على صناعة الصلب في هذا السياق. وتؤكد الوثيقة على الحاجة إلى وسم يوضح كثافة الكربون للصلب، لتوفير نهج أوروبي موحد لحساب انبعاثات غازات الاحتباد الحراري، مما يسهل التمييز بين الصلب منخفض الكربون وبدائله عالية الكربون.
ودعا تريستان بوكلير، محلل الصناعة في مركز “Strategic Perspectives” للأبحاث، المفوضية الأوروبية إلى الإعلان عن القانون في أقرب وقت ممكن، مؤكداً أن جميع الشروط اللازمة لقانون مسرّع صناعي فعّال يدعم الصناعات الاستراتيجية في الاتحاد الأوروبي قد تحققت. وأشار بوكلير إلى وجود “توافق قوي بين الحكومات الوطنية، ودعم عبر الأحزاب في البرلمان الأوروبي، ومطالبات من مختلف سلاسل القيمة الصناعية في الاتحاد الأوروبي لهذا السياسة”. وأضاف أنه “يمكن للمفوضية الأوروبية الآن أن تتأكد من أن بيروقراطيتها الداخلية لا تقف في طريق سياسة صناعية تشتد الحاجة إليها”.
تحديد أهداف “صُنعت في أوروبا” والجدل المحيط بها
ومن المتوقع أن تقترح المفوضية أيضاً هدفاً لحصة المنتجات الأوروبية التي سيتم إنتاجها محلياً بموجب القانون القادم. ويشمل القانون المثير للجدل قطاعات استراتيجية موجهة للتفضيل الأوروبي، من بينها المواد الكيميائية، والسيارات، والذكاء الاصطناعي، والفضاء، والدفاع. كما يقترح القانون عتبات أصل أوروبي بنسبة 70% للمركبات الكهربائية، و25% للألمنيوم، و30% للبلاستيك المستخدم في النوافذ والأبواب.
ويعود المنطق وراء المقترح الفرنسي، الذي أصبح الآن “قانون المسرّع الصناعي”، إلى أن زيادة حصة المنتجات المصنوعة في الاتحاد الأوروبي وذات البصمة الكربونية المنخفضة في الاستهلاك المحلي ستعزز الطلب داخل السوق الأوروبية، وتقوي القدرة التنافسية للصناعات، وتقلل الاعتماد على البدائل عالية الكربون أو المستوردة.
ومع ذلك، واجه مشروع المقترح انتقادات شديدة. حذرت دول الشمال والبلطيق من أن نظام “صُنعت في أوروبا” الصارم قد يثبط الاستثمار ويحد من وصول شركات الاتحاد الأوروبي إلى أحدث التقنيات من دول خارج الاتحاد. وفي تسريب منفصل أوردته “يورونيوز”، بدا أن المفوضية تميل إلى الموقف الألماني، الذي يدعو إلى تفضيل أوروبي للشركاء المتشابهين في التفكير والذين لديهم التزامات متبادلة في مجال المشتريات، وكذلك أولئك الذين يسهمون في “أهداف القدرة التنافسية والمرونة والأمن الاقتصادي للاتحاد”.
وأعربت المملكة المتحدة أيضاً عن مخاوفها بشأن الحمائية في ظل المقترح القادم، حيث شدد مسؤولون بريطانيون على أن اقتصادي الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة مترابطان بشكل وثيق. وقال أحد المسؤولين لـ”يورونيوز”: “هذا ليس الوقت المناسب للإخلال بما يعمل بالفعل”. وتظل الاتحاد الأوروبي أكبر سوق تصدير للسيارات البريطانية، في حين أن العديد من الشركات الأوروبية تنتج سيارات في المملكة المتحدة، التي كانت في عام 2024 ثاني أكبر وجهة تصدير للاتحاد الأوروبي بعد الولايات المتحدة.
وقال دبلوماسي في الاتحاد الأوروبي لـ”يورونيوز” إن التأخير في الكشف عن المقترح لا ينبغي أن يقرأ على أنه علامة على وجود مشكلة. وأضاف: “أسبوع واحد ليس مهماً، والمنطق على الأرجح هو نفسه. إنهم (المفوضية) يجب أن يقرروا هوية الشركاء المتشابهين في التفكير”.
يظل الموعد النهائي الجديد لتقديم “قانون المسرّع الصناعي” في 4 مارس، ومن المنتظر أن تكشف المفوضية الأوروبية عن تفاصيل نهائية وموحدة بعد هذه الفترة من المباحثات المكثفة. سيعتمد نجاح هذا القانون بشكل كبير على قدرة الدول الأعضاء على تجاوز خلافاتها، وعلى استجابة الشركاء التجاريين الرئيسيين، بما في ذلك الولايات المتحدة، لهذا النهج الصناعي الجديد الذي تسعى إليه أوروبا.






