توتر متصاعد بين أفغانستان وباكستان: اشتباكات حدودية تهدد الأمن الإقليمي

شهدت المناطق الحدودية الفاصلة بين أفغانستان وباكستان فصلاً جديداً من التوتر العسكري، حيث اندلعت اشتباكات مسلحة وتبادل لإطلاق النار بين قوات حرس الحدود في البلدين، مما ينذر بتصعيد خطير في العلاقات المتوترة أصلاً بين الجارتين. هذه الأحداث تضع ملف الأمن الإقليمي على المحك، وتثير قلق المجتمع الدولي بشأن استقرار المنطقة.

تفاصيل الاشتباكات المتبادلة

أفادت مصادر رسمية بوقوع تبادل لإطلاق النار في مناطق حدودية حساسة، وسط اتهامات متبادلة حول الطرف البادئ بالعدوان. وأوضح مسؤولون محليون في ولاية ننكرهار الأفغانية أن النيران انطلقت أولاً من الجانب الباكستاني، مما استدعى رداً فورياً من قوات حرس الحدود التابعة لحكومة طالبان. وفي حين أكدت المصادر توقف الاشتباكات لاحقاً دون تسجيل إصابات بشرية في هذا الحادث تحديداً، إلا أن الحادثة تعكس حالة الاستنفار القصوى على الشريط الحدودي، وتبعث بقلق بالغ بشأن التطورات الحدودية.

في المقابل، رفضت إسلام آباد الرواية الأفغانية، متهمة القوات الأفغانية بفتح النار “دون مبرر”، ومشيرة إلى أن القوات الباكستانية مارست حق الرد بشكل فاعل لصد ما وصفته بـ “عدوان طالبان”. وأكد مسؤول أمني في بيشاور عدم وقوع إصابات في صفوف القوات الباكستانية، مما يبرز التضارب في الروايات الرسمية.

سياق التصعيد: غارات جوية وتوتر دبلوماسي

لا يمكن فصل هذه الاشتباكات عن السياق الزمني القريب، إذ تأتي بعد أيام قليلة من تنفيذ باكستان ضربات جوية داخل الأراضي الأفغانية. وقد أسفرت تلك الغارات، وفقاً لبيانات الأمم المتحدة، عن مقتل 13 مدنياً، بينما أعلنت حكومة طالبان أن الحصيلة بلغت 18 قتيلاً، بينهم نساء وأطفال. هذا التصعيد الجوي جاء رداً على سلسلة تفجيرات انتحارية ضربت الداخل الباكستاني، والتي ألقت إسلام آباد باللوم فيها على جماعات تتخذ من الأراضي الأفغانية ملاذاً لها. هذه الهجمات المتبادلة تزيد من تعقيد الوضع الأمني.

جذور الأزمة: خط ديورند وملف الجماعات المسلحة

تكتسب هذه المناوشات بعداً تاريخياً واستراتيجياً معقداً، فالحدود بين البلدين، المعروفة بـ “خط ديورند” الذي رسمه الاستعمار البريطاني، لطالما كانت نقطة خلاف جوهرية، حيث لا تعترف بها كابول كحدود دولية رسمية، بينما تعتبرها باكستان خطاً نهائياً. وقد تفاقم الوضع منذ عودة طالبان للسلطة في كابول عام 2021، حيث تتهم باكستان جارتها بالسماح لحركة “طالبان باكستان” (TTP) بشن هجمات عبر الحدود، وهو ما تنفيه كابول بشدة، مؤكدة أنها لا تسمح باستخدام أراضيها لتهديد دول الجوار. ملف الجماعات المسلحة يظل محورياً في هذه الخلافات.

التداعيات الاقتصادية والأمنية

يلقي هذا التوتر بظلاله القاتمة على الوضع الاقتصادي والمعيشي لسكان المناطق الحدودية. فالتصعيد العسكري غالباً ما يؤدي إلى إغلاق المعابر البرية الحيوية مثل معبر “تورخم” و”شامان”، التي تعد شريان الحياة للتجارة بين البلدين ولعبور المسافرين والمرضى. يذكر أن اشتباكات عنيفة وقعت في أكتوبر الماضي كانت قد خلفت أكثر من 70 قتيلاً وأدت إلى شلل تام في الحركة التجارية، مما يفاقم الأزمات الاقتصادية التي تعاني منها أفغانستان الدولة الحبيسة جغرافياً. إن استقرار الحدود ينعكس مباشرة على الازدهار الاقتصادي.

الخلاصة والدعوة للعمل

تبرز الاشتباكات الأخيرة بين أفغانستان وباكستان الحاجة الماسة إلى حلول دبلوماسية حاسمة لتجاوز هذه الأزمة المتفاقمة. إن التوتر العسكري المستمر لا يهدد فقط الأمن الإقليمي، بل يقوض أيضاً الجهود الرامية لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والتنمية في المنطقة. ندعو البلدين إلى ضبط النفس، وتفعيل قنوات الحوار، والعمل المشترك لمعالجة الأسباب الجذرية للنزاع، خاصة فيما يتعلق بملف الجماعات المسلحة وحدود “خط ديورند”. إن الأمن والاستقرار هما مسؤولية مشتركة، وتتطلب معالجتهما تعاوناً صادقاً ونهجاً بناءً.

شاركها.