تتزايد المخاوف من خيار الحرب بين الولايات المتحدة وإيران مع تواصل التصريحات المتصاعدة والتحركات العسكرية في المنطقة. فبينما تعرب واشنطن عن قلقها المتزايد بشأن البرنامج النووي الإيراني وقدراتها الصاروخية، تؤكد طهران على حقها في الدفاع عن النفس وتدعو إلى استئناف المفاوضات. لكن الغموض يلف الأهداف الحقيقية المحتملة لأي تحرك عسكري أمريكي، وتبقى المنطقة في حالة ترقب لما قد تسفر عنه هذه المواجهة المعقدة.

خليط التهديد والتفاوض بشأن البرنامج النووي الإيراني

في ظل الأجواء المشحونة، صرح المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف لقناة فوكس نيوز بأن الإيرانيين ربما يكونون على بعد أسبوع من الحصول على مواد صناعية صالحة لصنع قنابل، واصفًا ذلك بالأمر “الخطير حقًا” الذي “لا يمكن السماح به”. وبينما لم يزد ويتكوف عن ذلك في تلك النقطة، فإن هذه التصريحات تأتي ضمن استراتيجية أمريكية تمزج بين التحذير والتهديد، مع فتح باب التفاوض.

وأضاف ويتكوف أن الرئيس دونالد ترامب لديه فضول تجاه سبب عدم إعلان طهران صراحةً عدم رغبتها في صنع سلاح نووي، على الرغم من الحشد البحري الأمريكي في المنطقة. واتهم المبعوث الأمريكي إيران بالتشدد في المفاوضات، مشيرًا إلى صعوبة إقناعها رغم تأكيدها سلمية برنامجها النووي، وذلك بسبب تخصيبها لليورانيوم بكميات تتجاوز ما يتطلبه برنامج سلمي.

يعتبر بعض المراقبين أن تصريحات ويتكوف قد تكون بمثابة ترسيخ للذرائع الأمريكية لشن حرب ضد إيران، خاصة في ظل الاعتقاد بأن الولايات المتحدة لم تكن لتنقل كل هذه القوات إلى الشرق الأوسط دون نية مبيتة. وفي هذا السياق، قال السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي الأحد إن “الحرب قد تكون اللغة الوحيدة التي تفهمها إيران”.

لكن هاكابي أكد على أن هذا التهديد يأتي بالتوازي مع محاولة دفع إيران لإدراك أن ما تعرضه عليها واشنطن بالتفاوض قد يتم فرضه بالقوة العسكرية. ودعا إيران إلى التعامل بجدية مع الرئيس ترامب، سواء في إطار المفاوضات أو في سياق استخدام القوة، محددًا مطالب ترامب بالتخلي عن الطموحات النووية، والتوقف عن تخصيب اليورانيوم، والكف عن بناء “ترسانة ضخمة من الصواريخ الباليستية غير الدفاعية”.

وأضاف هاكابي أن طرحه يمثل “مخرجًا دبلوماسيًا”، وأن التوصل إلى اتفاق ممكن إذا فعل الإيرانيون ما طُلب منهم، “أما إذا رفضت إيران تلك المطالب فكل شيء مطروح على الطاولة”. ولم يفته الإشارة إلى حجم الأصول العسكرية التي تم نقلها إلى المنطقة، واصفًا إياه بـ”الأضخم في مكان واحد منذ عام 2003″. وكان ترامب قد أعلن سابقًا أن أمام إيران 15 يومًا كحد أقصى للتوصل إلى اتفاق بشأن برنامجها النووي.

ومع هذه التصريحات، تتواصل الاستعدادات من جانب إيران لعقد جولة محادثات ثالثة مع الولايات المتحدة في جنيف، وذلك وفقًا لما أكده وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي، التي تقود بلاده جهود الوساطة بين الجانبين.

كيف ردت إيران على التهديدات الأمريكية؟

على الصعيد الإيراني، تلتزم طهران بخطاب يجمع بين تأكيد خيار التفاوض والاستعداد للتقدم فيه، مع الرد على التهديدات الأمريكية بما يشير إلى عدم الاكتراث بها وصمودها. وصرح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بأن لبلاده الحق في الدفاع عن نفسها، مؤكدًا أن أي هجوم أمريكي سيكون “عملاً عدوانيًا”، وأن الرد سيكون “دفاعًا عن النفس”.

وأشار عراقجي إلى أن أي رد سيكون “مبررًا ومشروعًا”، مضيفًا أنه إذا لم تستطع صواريخ إيران بلوغ الأراضي الأمريكية، فـ”علينا أن نضرب -كما تعلمون- القاعدة الأمريكية في المنطقة”. وفي سياق آخر، أكد عراقجي أن التوصل إلى اتفاق مع واشنطن ممكن، وأن بعض جوانبه قد تكون أفضل من الاتفاق السابق لعام 2015.

وأضاف عراقجي خلال مقابلة مع شبكة “سي بي أس” الأمريكية أن طهران تعمل على مسودات الاتفاق وتسعى للقاء الجانب الأمريكي في جنيف. وأكد أن النقاشات الحالية تتناول المسألة النووية فقط، وأن من حق إيران تخصيب اليورانيوم. كما شدد على أن الدبلوماسية هي الحل الوحيد، وأن الحشد العسكري الأمريكي لن يخيف طهران.

من جانبه، استخدم الرئيس الإيراني حسن روحاني لغة مزدوجة، معربًا عن تفاؤله بتبادل مقترحات عملية ومؤشرات مشجعة في المفاوضات الأخيرة. وأضاف أن بلاده تراقب الإجراءات الأمريكية عن كثب، وقد اتخذت جميع الاستعدادات اللازمة لأي سيناريو محتمل.

الغموض يكتنف الأهداف والغايات المحتملة للضربة الأمريكية

تسعى وكالة الصحافة الفرنسية في تقرير لها إلى الإجابة على سؤال حول ما يريده ترامب من ضربة أمريكية محتملة على إيران. وتشير الوكالة إلى أن ترامب، الذي يهدد منذ أسابيع بضربة عسكرية وحشد قوات كبيرة، لم يكشف بوضوح عن الهدف البعيد المدى لعملية كهذه.

في غياب نقاش جدي في المؤسسات الأمريكية، تبقى علامات الاستفهام قائمة حول طبيعة التدخل وغايته: هل تستهدف ضربات الحرس الثوري، أم الترسانة الصاروخية، أم الإطاحة بالنظام؟ وحسب موقع “أكسيوس” الإخباري، عُرضت خطط عسكرية عديدة على ترامب، منها استهداف المرشد الأعلى علي خامنئي.

ويشير خبراء إلى أن ترامب قد يهدف إلى “خوض صراع محدود يعيد تعريف توازن القوى من دون أن يُغرق واشنطن في مستنقع”، عبر حملة عسكرية قصيرة الأمد وذات تأثير عالٍ لشل البنى التحتية للصواريخ الإيرانية. ويتحدث خبراء عن أن أي ضربة هدفها قطع رأس النظام في إيران ستنتهي إلى نشر الفوضى، وأن الحرب قد تؤدي إلى تقوية النظام بقدر ما يمكن أن تضعهفه.

كما حذرت دول المنطقة من مغبة أن يؤدي التدخل العسكري ضد إيران إلى زعزعة استقرار المنطقة. وتشير وكالة الصحافة الفرنسية إلى أن الجيش الأمريكي ينشر حاليًا 13 سفينة حربية في منطقة الشرق الأوسط، بما فيها حاملة الطائرات “يو أس أس أبراهام لينكولن”، بالإضافة إلى أسطول جوي ضخم وعشرات الآلاف من الجنود.

تبقى التهديدات متواصلة، والمفاوضات كذلك، ويبدو أن العالم يشهد مفاوضات تتوازى مع حشد عسكري، دون يقين بما قد يحدث أو بما ينتظر المنطقة من تطورات.

شاركها.