عندما يجتمع الرئيس الصيني شي جين بينغ مع أقرب حلفائه الدوليين لحضور إحدى القمم التاريخية خلال حكمه الممتد منذ أكثر من 10 سنوات، سيبحث العديد منهم عن الطمأنينة بعدما خلفت الصراعات ندوبها عليهم.
لكنهم قد لا ينالون مبتغاهم؛ فالتكتل الأمني الذي شاركت الصين في تأسيسه غاب عملياً عندما كان أعضاؤه في أمس الحاجة إليه.
في المقابل، يُرجح أن يركز الرئيس الصيني بشكل أكبر على ما سيواجه “منظمة شنغهاي للتعاون” في المستقبل في فترة يسعى فيها دونالد ترمب إلى كبح طموحات الصين، ويجري تحولاً جذرياً في التحالفات مع دول مثل الهند. وسينصب الاهتمام بشكل خاص على أي بيان مشترك يصدر عن المنظمة، والنبرة التي سيتبناها تجاه الولايات المتحدة، إلى جانب مجموعة من الاجتماعات الثنائية المتوقع عقدها على هامش القمة.
الصين تستعرض نفوذها المتنامي
يستعد شي، في الاجتماع الذي ستنطلق أعماله الأحد، للموافقة على استراتيجية تطوير “منظمة شنغهاي للتعاون” خلال العقد المقبل، وطرح رؤيته للحوكمة العالمية، في ظل اجتماعه بالقادة السياسيين لروسيا، والهند، وباكستان، وإيران معاً لأول مرة منذ سنوات. ثم سيلحق به عدد من الضيوف، من بينهم الرئيس فلاديمير بوتين، في بكين لحضور عرض عسكري سيُقام في الثالث من سبتمبر.
اقرأ أيضاً: الصين تستعد لاستضافة بوتين ومودي وأردوغان.. وتتهم أميركا بتهديد السلام
قال ديلان لوه، الأستاذ المساعد في جامعة نانيانغ التكنولوجية في سنغافورة، إن “الصين تبذل جهوداً كبيرة، وتستخدم نفوذها لتصبح هذه واحدة من أكبر قمم (منظمة شنغهاي للتعاون) على الإطلاق. كما يُعد هذا إعراباً عن النوايا، واستعراضاً لتنامي مكانة الصين ونفوذها، بالأخص في إطار التنافس الأميركي الصيني، والإشارات إلى مصاعب اقتصادية محلية”.
ستكون هذه أكبر قمة للمنظمة على الإطلاق، بعد انضمام بيلاروسيا كعاشر دولة ذات عضوية كاملة. كما تشير قائمة القادة العالميين المتجهين إلى مدينة تيانجين الساحلية الصينية، ومن بينهم رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي والرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، إلى إمكانية فتح آفاق جديدة. فيما سيحظى بوتين ومودي بمتابعة دقيقة.
محادثات بين روسيا والصين والهند عن الطاقة
تتيح القمة لبوتين فرصة للتحدث مع شي ومودي وجهاً لوجه عن نتائج لقائه مع ترمب في ألاسكا، واحتمالات التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب في أوكرانيا.
إنها فرصة نادرة لبوتين للاجتماع مع أهم شريكين في مجال الطاقة، بالأخص بعدما قرر ترمب مضاعفة الرسوم الجمركية الأميركية على الهند عقوبةً على استمرار نيودلهي في استيراد النفط الروسي.
اشترت الصين والهند معاً أكثر من نصف صادرات روسيا من الطاقة منذ بداية 2023، بحسب مركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف (Centre for Research on Energy and Clean Air).
اقرأ أيضاً: ترمب يحذر من “حرب اقتصادية” إذا لم يسع بوتين إلى السلام
يُستبعد حدوث أي تغيير في واردات الصين قريباً، إلا أن موسكو تواجه مأزقاً أكثر تعقيداً فيما يخص الغاز.
يُرجح أن يتطرق بوتين إلى خط أنابيب “قوة سيبيريا 2” (Power of Siberia 2) مجدداً خلال اجتماعه مع شي، فالمشروع سينقل الغاز من الحقول التي كانت تزود أوروبا سابقاً ويورّده إلى الصين بدلاً من ذلك. لكن بكين لم تبد استعدادها للالتزام رغم المحادثات المستمرة منذ سنوات.
اجتماع بين الصين والهند على هامش قمة منظمة شنغهاي للتعاون
يُتوقع أيضاً أن يجتمع مودي مع الرئيس الصيني الأحد، ما يتيح للزعيمين فرصة لرسم مسار المستقبل. ويُرجح أن تتضمن المحادثات إعادة العلاقات بين بكين ونيودلهي إلى المستويات الطبيعية، والانفراجة في النزاع الحدودي، بحسب مسؤولين هنود طلبوا عدم الكشف عن هوياتهم نظراً لخصوصية المحادثات.
سبق أن اعترضت الهند على مسودة بيان “منظمة شنغهاي للتعاون” التي جرى تداولها في يونيو لخلو صيغتها من إدانة الهجمات المسلحة على إقليم كشمير الخاضع للإدارة الهندية، والتي حمّلت نيودلهي باكستان مسؤوليتها.
قال جيريمي تشان، الدبلوماسي الأميركي السابق في الصين واليابان: “إذا دعمت الهند البيان المشترك في نهاية المطاف، فهذا يشير إلى استعداد أكبر للاصطفاف في جانب (منظمة شنغهاي للتعاون)، وضمنياً في مواجهة واشنطن”.
وأضاف تشان، الذي يشغل حالياً منصب المحلل الأول في إدارة الصين وشمال شرق آسيا لدى “يوريجيا غروب” (Eurasia Group)، أن “أي صيغة توجه انتقادات مباشرة للولايات المتحدة ستُعد أيضاً إشارة مهمة إلى تحول أكثر جوهرية من جانب نيودلهي نحو بكين وموسكو”.
تزايد الاهتمام بقمة منظمة شنغهاي للتعاون
رغم الإعداد المسبق للقمة منذ مدة طويلة، فقد نالت قدراً أكبر من الاهتمام والثقل جراء الأحداث التي وقعت على الساحة العالمية خلال الشهور الستة الماضية.
فبعدما تعرضت إيران لهجوم كبير شنته إسرائيل والولايات المتحدة، تواجه حالياً خطر إعادة فرض كبرى الدول الأوروبية عقوبات أممية، وفي غضون ذلك، دخلت الهند وباكستان في مايو في أسوأ نزاع يندلع بينهما منذ أكثر من نصف قرن.
اقرأ أيضاً: الصين تنتقد خطة إعادة عقوبات إيران وتصفها بأنها “غير بناءة”
تتقارب الهند في الوقت الراهن مع الصين، منافستها الإقليمية، بينما يُبعد ترمب نيودلهي بفرض الرسوم الجمركية، وتعزز إسلام آباد علاقاتها مع واشنطن.
سيعقد المسؤولون الباكستانيون محادثات مع شي وبوتين على هامش القمة، وفقاً لوسائل إعلام محلية، بينما أفادت وزارة الخارجية بأن باكستان لا تعتزم إقامة اجتماع مع الهند. وأكدت وزارة الخارجية الإيرانية عقد اجتماع بين بيزشكيان وشي.
شكوك في قدرة منظمة شنغهاي للتعاون على دعم الأعضاء وأشار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى أن بلده يدرس الانضمام إلى التكتل. فرغم علاقات تركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، بـ”منظمة شنغهاي للتعاون” منذ 2013 عبر اتفاقية شراكة، فإن حصولها على العضوية الكاملة في المنظمة سيعطي لأردوغان ورقة ضغط أكبر في مواجهة الغرب.
يكمن التحدي الذي يواجه شي في كسر سجل الجمود الممتد منذ ربع قرن، والذي أثار الشكوك في قدرة التحالف على تحقيق النتائج المرجوة في الأوقات الحرجة. وأوضح مساعد وزير الخارجية ليو بين أن الجانب الصيني يعي المخاطر تماماً، وأشار الأسبوع الماضي إلى أنه يجب على “منظمة شنغهاي للتعاون” الاستعداد لتحقيق “نتائج ملموسة” مع تبنيها “مظهراً جديداً، ووتيرة جديدة، ومستوى جديداً”.
اقرأ أيضاً: رئيس الصين يتخلف عن دعم إيران مع تكثيف ترمب الضغط على طهران
اعتبر الغرب المنظمة في البداية بمثابة قوة شرقية موازنة لحلف “الناتو”، وقد توسع التكتل بضم أعضاء جدد إما بعيدين تماماً عن محور اهتمامه الأصلي المنصب على آسيا الوسطى، أو منخرطين في صراعات، كما في حالة الهند وباكستان.
وتصف المنظمة “أهدافها الرئيسية” بأنها تركز على “تعزيز الثقة المتبادلة وعلاقات حسن الجوار بين الدول الأعضاء”
رغم ذلك، أخفقت المنظمة أكثر من مرة في الدفاع عن أعضائها، ومن بين الأمثلة على ذلك عندما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل غارات على إيران. واستمر نهج عدم التدخل على نحو مشابه فيما يخص الاشتباكات الحدودية بين الهند وباكستان، وطاجيكستان وقيرغيزستان.
أوضح تشان من “يوريجيا غروب” أن “التاريخ الحديث يبين أنه عندما تنشأ أزمة أمنية تؤثر على عضو في (منظمة شنغهاي للتعاون)، أو حتى في دولة مجاورة، فإن التكتل بصفته منظمة يغيب تماماً عن المشهد. عندما تشتد الأزمات، تتخلى الصين حتى عن حلفائها، سواء في العلاقات الثنائية أو متعددة الأطراف”.
عناصر تفتقر إليها منظمة شنغهاي للتعاون
رغم ذلك، فالمنظمة لها أهمية محورية لدى شي في إطار سعيه للاستفادة منها ومن الكيانات الأخرى التي تحظى بدعم الصين، مثل مجموعة “بريكس”، في إعادة تشكيل النظام العالمي ومساعدة بكين في تولي دور قيادي، بالأخص كمدافعة عن دول “الجنوب العالمي”.
زاد عدد الدول الأعضاء في “منظمة شنغهاي للتعاون” الضعف تقريباً منذ تأسيسها في 2001 على يد الصين، وروسيا، وكازاخستان، وقيرغيزستان، وطاجيكستان، وأوزبكستان. وسيرتفع العدد إلى 26 دولة باحتساب الدول المراقبة وشركاء الحوار، مثل منغوليا والسعودية.
ما تفتقر إليه المنظمة في الأغلب هو “المصالح المشتركة والثقة المتبادلة بين الأعضاء الرئيسيين”، بالإضافة إلى “سجل من النزاعات، والخلافات، والشكوك”، بحسب دريو تومسون، الباحث الأول في كلية إس راجاراتنام للدراسات الدولية في جامعة نانيانغ التكنولوجية في سنغافورة.
واختتم بأن “كل هذه العوامل تجعل تحول (منظمة شنغهاي للتعاون) إلى تكتل قادر على مواجهة الولايات المتحدة أو أوروبا مستبعداً”.